عدد الأبيات: ٤١
يَخُطُّ يَرَاعِي وَالحَرِيقُ يُصَالِينَا
وَتَنْطِقُ نَارُ الوَجْدِ فِيمَا يُوَارِينَا
سَأَسْكُبُ حِبْراً مِنْ دِمَاءِ مَوَاجِعِي
لِيَعْلَمَ كُلُّ الخَلْقِ كَيْفَ تَفَانِينَا
أَيَا لَيْلُ حَدِّثْ عَنْ لُقَاءٍ نَعِزُّهُ
وَسَاعَاتِ قُرْبٍ كَانَ فِيهَا أَمَانِينَا
قَعَدْنَا وَأَسْتَارُ الظَّلامِ تَحُوطُنَا
وَكَانَ هُدُوءُ الكَوْنِ سِرّاً يُنَاجِينَا
خَلَوْنَا بِلا وَاشٍ وَلا لَحْظِ حَاقِدٍ
وَصَمْتُ لَيَالِي الشَّوْقِ بِالأُنْسِ يَسْقِينَا
فَمَا كَانَ غَيْرُ النَّبْضِ يَحْكِي شُجُونَنَا
وَمَا غَيْرُ نُورِ الوَجْهِ فِي العَتْمِ يَهْدِينَا
تَدَانَتْ بِنَا الأَرْوَاحُ حَتَّى كَأَنَّنَا
رُوحٌ بِجِسْمَيْنِ اسْتَحَالَتْ لِتُحْيِيَنَا
وَحَانَ عِنَاقٌ زَلْزَلَ القَلْبَ هَوْلُهُ
وَأَوْرَثَ بَيْنَ الضَّلْعِ نَاراً فَيُصْلِينَا
ضَمَمْتُكِ ضَمَّ المَوْتِ قَبْلَ رَحِيلِهِ
وَأَيْقَنْتُ أَنَّ البَيْنَ لا رَيْبَ آتِينَا
عِنَاقٌ حَبَسْنَا فِيهِ أَنْفَاسَ حُبِّنَا
وَصَارَ بِهِ جَمْرُ الصَّبَابَةِ يَكْوِينَا
كَأَنَّ ضُلُوعِي حِينَ لُذْتِ بِحِضْنِهَا
حُصُونٌ بَنَتْهَا العِزَّةُ القَعْسُ تَأْوِينَا
بَثَثْتُ لِشَعْرٍ قَدْ كَسَا الخَدَّ قُبْلَةً
عَفِيّاً نَقِيّاً طِيبُهُ بَاتَ يَشْفِينَا
وَدَاعاً حَزِيناً غَصَّتِ الرَّوحُ دُونَهُ
وَأَظْلَمَتِ الأَيَّامُ لَمَّا تَوَلِّينَا
قَطَعْتِ حِبَالَ الصَّبْرِ يَوْمَ تَمَنُّعٍ
وَقُلْتِ سَلامٌ لا تَوَاصُلَ يُرْجِينَا
رَحَلْتِ وَمَا خَلَّفْتِ لِي غَيْرَ غُصَّةٍ
وَجُرْحٍ عَمِيقٍ فِي الحَنَايَا يُدَاوِينَا
غَدَا الكَوْنُ سِجْناً بَعْدَ فُرْقَةِ مَنْ أُحِبْ
وَصَارَ سَوَادُ لَيْلِي ثَوْباً يُوَارِينَا
نُكَاتِمُ سِرَّ الفَقْدِ صَمْتاً وَهَيْبَةً
وَمَا كَانَ ذُلُّ الحُزْنِ يَوْماً بِشَانِينَا
نَسِيرُ وَفِي الأَعْمَاقِ أَلْفُ قَصِيدَةٍ
وَنَطْهَرُ لِلرَّائِينَ صَخْراً لِيُجْزِينَا
فَلا خَوْفَ يُرْدِينَا وَلا هَمَّ يَثْنِينَا
وَمَا زَالَ كِبْرِيَاءُ النَّفْسِ فِينَا يُقَوِّينَا
رَعَى اللهُ عِيداً كَانَ لِلقَلْبِ جَنَّةً
وَشَهْراً كَرِيماً بِالمَحَبَّةِ مَالِينَا
مَضَى العَامُ وَالذِّكْرَى تَمُرُّ بِخَاطِرِي
كَطَيْفِ خَيَالٍ فِي المَنَامِ لِيُشْقِينَا
أَيَا طَائِرَ المَكْتُوبِ خُذْ عَهْدَ وَصْلِنَا
وَبَلِّغْ مَهَاةَ القَلْبِ أَنَّا مَوَافِينَا
فَمَا حَالَتِ الأَيَّامُ عَنْ عَهْدِ وُدِّنَا
وَمَا كَانَ غَيْرُ المَوْتِ عَنْكِ سَيُلْهِينَا
صَبَرْنَا كَمَا صَبَرَ الجِبَالُ عَلَى المَدَى
وَفِي غَيْبِهِ اللُّطْفُ الإِلهِيُّ يَكْفِينَا
فَإِنْ عَزَّ فِي الدُّنْيَا رُجُوعٌ لِعَهْدِنَا
فَفِي مَوْقِفِ الحَشْرِ المُقَدَّرِ نَلْقِينَا
سَلامٌ عَلَى تِلْكَ العُهُودِ وَأَهْلِهَا
مَدَى الدَّهْرِ مَا هَبَّتْ نَسَائِمُ تُحْيِينَا
وَإِنَّا عَلَى دَرْبِ الكَرَامَةِ نَنْتَهِي
فَلا بَاعَنَا الدَّهْرُ وَلا الهَمُّ يُبْلِينَا
غَدَوْنَا نُجَرِّدُ الحُزْنَ مِنْ كُلِّ رِقَّةٍ
وَنَلْبَسُ ثَوْبَ الصَّخْرِ حَتَّى يُوَارِينَا
فَلا شَوْقَ يَفْضَحُنَا وَلا سِرَّ يَنْجَلِي
وَنَحْنُ لِصَمْتِ الرُّوحِ دَوْماً عَنَاوِينَا
أَمَا وَالَّذِي سَوَّى الجَمَالَ بِيُوسُفٍ
سَتَبْقِينَ شَمْساً فِي سَمَائِي تُرَبِّينَا
سَأَحْفَظُ ذَاكَ الحِضْنَ سِرّاً مُقَدَّساً
وَأَطْوِي سِجِلَّ الوَصْلِ رَغْماً بِأَيْدِينَا
فَلا حَرْفَ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا فَيَنْحَنِي
وَهَذَا خِتَامُ القَوْلِ فِيمَا سَيأْتِينَا
سَقَى اللهُ أَرْوَاحاً تَعِزُّ فِرَاقَهَا
وَأَلْهَمَنَا صَبْراً عَلَى مَا يُقَاسِينَا
رَحَلْنَا وَفِينَا مِنْ لَظَى الوَجْدِ غَابَةٌ
وَمَا كَانَ سَيْلُ الدَّمْعِ يَوْماً لِيُطْفِينَا
قِفِي يَا صُرُوفَ الدَّهْرِ عَنَّا فَإِنَّنَا
مَلُوكٌ عَلَى عَرْشِ المَوَاجِعِ رَاسِينَا
فَلا حَاجَةً لِلنَّاسِ نَشْكُو مُصَابَنَا
وَمَا غَيْرُ مَوْلانَا بِصِدْقٍ سَيُعْطِينَا
وَدَاعاً كَوَقْعِ السَّيْفِ فِي نَحْرِ عَاشِقٍ
تَرَكْتُ لَكِ القَلْبَ القَتِيلَ لِيَرْثِينَا
سَأَمْضِي وَفِي رُوحِي حَنِينُكِ قُبْلَةً
تُطَهِّرُ نَفْسِي مِمَّا كَانَ يُؤْذِينَا
سَلامُ الإِلهِ الحَقِّ مَا ذُرَّ شَارِقٌ
وَمَا بَقِيَتْ ذِكْرَاكِ لِلرُّوحِ نِسْرِينَا
عَلَيْكِ سَلامُ اللهِ رَغْمَ جَفَائِكُمْ
وَمَا ضَاقَ صَدْرٌ بِالعُهُودِ لِيَجْفِينَا

عموديه بحر الطويل قافية النون (ن)

أضف تعليق